مسرحية قصة حديقة الحيوان

مسرحية قصة حديقة الحيوان
للكاتب الأمريكي إدوارد أُلْبي
“1928 – 2016
د. علي خليفة

كانت مسرحية “قصة حديقة الحيوان” أول مسرحية تظهر على الساحة من تأليف إدوارد أُلّبِي، وقوبلت بالرفض في البداية في أمريكا، ولكن نجاحها حين عرضها في بعض بلاد أوروبا جعل الأمريكان يهتمون بها، ويلتفتون لأُلبي على أنه أحد كبار كتاب مسرح الطليعة في العالم.
وتتشابه هذه المسرحية مع مسرحيات كتاب الطليعة في أوروبا في قلة عدد شخصياتها، وفِي كسر وحدة الحدث وتطوره المتنامي فيها، إلى جانب أننا نرى أنها تقدم رؤية تحمل قدرًا من الضبابية، وكذلك نرى فيها الغضب والقسوة والثورة.
ويمكن أن نقسم هذه المسرحية إلى ثلاثة أجزاء: في الجزء الأول منها نرى بيتر جالسًا في ركن منعزل من حديقة كبيرة يقرأ في كتاب معه، كعادته في ظهيرة كل يوم أحد، ويدخل عليه جيري، وهو شخص غريب الأطوار والتصرفات، ويجري بينهما تعارف، ويقود الحوار فيه جيري الذي يقحم نفسه على بيتر في هذا المكان، وأيضًا يقحم جيري نفسه في خصوصيات بيتر، فيحاول أن يتعرف منه على أسرته، وأسلوب حياته، ويتجاوب بيتر مع أسئلة جيري له عن حياته وأسرته بحذر، وبقوله كلمات قليلة، وبعد أن يعرف جيري معلومات عن بيتر وأسرته وأسلوب حياته يسترسل هو في الكلام عن حياته، فيتكلم عن أمه التي تركت أباه، وخاضت مغامرة في البغاء، وَوُجِدَتْ ميتة، ويتحدث عن البنسيون الغريب الذي يسكن حجرة منه، ويصور غرابة الأشخاص الذين يسكنون فيه معه، ففيه امرأة تواصل غلق حجرتها على نفسها وتبكي، وهناك شاب زنجي، اعتاد لبْس ثوب فضفاض وهو ذاهب للحمام في هذا البنسيون، وهناك أيضًا صاحبة البنسيون القبيحة الشكل ذات الرائحة المنفرة، ويحكي جيري لبيتر محاولتها الدائمة لإرواء عطشها الجنسي من جسده، ولكنه ينجح دائمًا في الإفلات منها.
وفي هذا الجزء من المسرحية نرى نوعًا من السرد من جيري وبيتر لجوانب من حياتهما، والمحرك لهذا السرد هو جيري، ويستغل المساحة الكبرى فيه.
وفي الجزء الثاني من هذه المسرحية نرى السرد يقوم به شخص واحد هو جيري، ويحكي فيه حكاية طويلة عن كلب صاحبة البنسيون وعلاقته به، وهي حكاية فكر جيري في كتابتها، ونشرها – على حد قوله لبيتر – وفِي هذه الحكاية يصور جيري لبيتر كره ذلك الكلب له، ومحاولته عضه حين دخوله أو خروجه من البنسيون، ولكنه كان يفلت منه في كل مرة، وأنه حاول مصاحبته بشراء طعام له، وإطعامه إياه، ولكنه مع ذلك لم يستطع اكتساب صحبته، فرأى أنه لا مفر من تسميمه، وبالفعل قدم له طعامًا فيه سم، ولكن الكلب لم يمت بعد أكله إياه، ولكنه أدرك الخطر الذي يمكن أن يتسبب له جيري فيه، فأصبح لا يقربه حين يراه، ولكن يكتفي بالنظرات الحذرة المتشككة له، وكذلك كان يفعل جيري معه.
وفي الجزء الثالث من هذه المسرحية يتوقف السرد، بما فيه من حديث الذكريات وعرض الحكايات، ونرى الفعل المسرحي، فنرى جيري يترك مقعده، ويجلس مع بيتر على مقعده، ويضايقه بهذا الفعل، ويطلب إليه أن يتخلى عن هذا المقعد له، ويرفض بيتر الخضوع له، وتسليمه مقعده الذي اعتاد الجلوس عليه.
ويتحول الأمر لعراك بينهما، ويعطي جيري بيتر سكينًا لكي يبارزه بها، ويرفض بيتر استخدامها في البداية، ويصرخ في رجال الشرطة لينقذوه من هذا الشخص الغريب، وحين لا يسمعه أحد يواصل عراكه مع جيري، ويطعن بيتر جيري بالسكين التي أعطاها له، ولا يغضب منه جيري، بل يعده قد قام بفعل يسعى إليه، ويكرر عليه قوله الذي بدأ به حديثه معه، وكان يقوله من وقت لآخر في المسرحية: الآن سأحكي لك قصتي في حديقة الحيوان، ولكنه لا يحكي شيئًا عن هذه القصة، بل يموت، ويصاب بيتر بدهشة كبيرة لحادث القتل الذي قام به، وتنتهي المسرحية.

ولم يكن جيري بحاجة ليحكي عن قصته في حديقة الحيوان؛ لأن ما رأيناه في المسرحية ليس إلا هذه القصة، فقد قتل بيتر جيري لسبب واهٍ يحدث كثيرًا من بعض الحيوانات، وكذلك رأينا في هذه المسرحية حديث جيري الكثير عن الجنس بما فيه من شذوذ، مما يجعلنا نرى أننا بالفعل في عالم الحيوان بما فيه من غرائز، ولسنا مع الإنسان الذي فضله الله بالعقل والحكمة، ونتساءل: هل هذه هي رؤية إدوارد ألبي للإنسان في هذا العصر الذي يقتل ملايين البشر بأسلحته الحديثة لأسباب تافهة؟!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*