قراءة في كتاب “الخصائص التأليفية في الدراما”

صدر عن دور صفحات وافكار في دمشق والفنون والآداب في البصرة  2018 كتاب “الخصائص التأليفية في الدراما” للدكتور باسم علوان الهاشمي.

يعد البناء الدرامي في النصوص المسرحية من العلامات البارزة التي يتمظهر من خلالها أسلوب الكاتب المسرحي في انتاج نصوصه وما يريده تحقيقه من مقاصد ذات مغزى محدد في توجيه، أو النقد، أو إشارة الى موضوع معين في مجتمعه، وهذا الأسلوب الفني عادة ما يحتاج الى خصائص تأليفية واعية في البناء الدرامي, يكون الكاتب قد مارسها نتيجة للخبرة الفنية والجمالية التي أكتسبها من القراءات لنصوص اخرى ذات مستويات فنية عالية لكّتاب لهم مسرحيات مسبوكة في كافة جوانبها الفنية الجمالية، وأصبحت هذه النصوص من الأيقونات الدالة على المسرح في مذاهبه وتياراته وأساليبه المختلفة، ومنها ما أصبح رمزاً للفهم الدرامي، وكما في المسرحيات الإغريقية للكتاب الأربعة (أسخيلوس ، وسوفوكلس ، ويوربيدس ، وارستوفانيس)، أو في مسرحيات (شكسبير) و( تشيخوف) و(أبسن) وغيرهم من الكّتاب الذين أسهموا في بناء خصائص تأليفية تميزت بها أعمالهم الدرامية في المسرح العالمي .

أن الخصائص التأليفية في المسرح بصورة عامة أخذت جانب مهم في البناء الدرامي ، كون مصطلح الخصائص له تعددية في المعنى والأشتغال، أذ يشير في ذاته الى  جانب من موضوع ما يحدد اختلافه عن، أو تشابهه مع موضوعات أخرى وهناك خصائص نوعية عامة، وخصائص أساسية وغير أساسية، وضرورية وعارضة وجوهرية وغير جوهرية، وخارجية وداخلية، ومتوائمة وغير متوائمة، وقابلة للانفصال وغير قابلة للانفصال وطبيعية ومصطنعة الخ، وكل هذه التعددية في استخدام المصطلح يعطي مساحة كافية لفهم الأثار الفنية التي ابدعها كّتاب النصوص الدرامية في المسرح، مما قد اوجد هذا الأختلاف الدلالي للأستعمالات البنائية في تكوين الأساليب الدرامية في التأليف المسرحي تعددية في المذاهب والتيارات المسرحية، التي أخذت واقعها الفعلي من الخصائص التأليفية للنصوص المسرحية، وقد أعطت هذا التعددية في الأختلاف الدرامي من مذهب مسرحي، أو حتى أسلوب فردي في داخل المذهب ذاته ثراء في التنوع الدرامي كون هذه الخصائص ساهمت في بناء عوامل وآفاق جديدة في تطور البناء الدرامي في المسرح العالمي في الحقب المختلفة، ساهمت في انتاج مميزات فنية ساعدت على حراك درامي، انتج مديات واعية ارتكزت على مرجعيات فكرية وفلسفية، كان للخصائص التأليفية  التي انتجها الكّتاب في المسرح دوراً بارزاً في هذا التنوع والحراك الدرامي .

أن التأليف الدرامي ذا الخصائص المميز في البناء المسرحي  يكون عاملاً مساهماً ومسانداً في تشكيل الوعي الفني لذات الصفات الجمالية المتميزة في ذات النص، كون الكاتب يحقق غايته منها، وبالتالي يحقق ما يصبوا اليه من أنتشار فني لنصوصه على المستويات المحلية والعالمية، فكل خاصية في التأليف لها وجودها وأثرها في  المنجز المعرفي للكاتب، التي تجعل من نتاجه الأدبي والفني ــــ إذا ما اجتمعت هذه الخصائص ــــ في اعطاء صورة النص النهائية، التي تغاير في اشتغالاتها الجمالية عن غيرها من النصوص في الساحة الثقافية ذاتها.

وفي هذا الإطار يقدم لنا كاتب هذا الكتاب الذي بين ايدينا (الخصائص التأليفية  في الدراما) الدكتور باسم علوان الهاشمي دراسة عن الخصائص التأليفية في نصوص مؤلف مسرحي عراقي مهم هو (محي الدين زنكنه)  ويحاول في دراسته البحث في أربعة نصوص مسرحية ، هي ( الأشواك , هو .. هي.. هو , مع الفجر جاء .. مع الفجر راح , حكاية صديقين ) .ليعطينا الصور التي تميز بها (زنكنه) عن غيره من مؤلفي الدراما العراقية.

يقع الكتاب في ثلاثة فصول وخاتمة, إذ يتناول الكاتب في الفصل الأول دراسة الخصائص التأليفية في المسرح العالمي,  ابتداء من نظرية (ارسطو) في فن الشعر, والقواعد التي حددها واعتبرت الأساس  في بناء المسرحية, مرورا بكتاب المسرح الإغريقي كل من ( اسخيلوس , سوفوكليس , ويوربيدس )  والوقوف على أهم ما تميز به كل واحد منهم , بحث أصبحت سمة واضحة في نتاجه الأدبي المسرحي. وهكذا تناول الباحث الفترات اللاحقة على ذلك, سواء المنجز المسرحي الروماني, أو الأدب المسرحي في عصر النهضة متمثلا بـ (شكسبير) وما له من دور كبير في نمو وتطور الأدب المسرحي لما تميز به من خصائص تأليفية اعتبرت المرجع لكثير من المذاهب التي أتت من بعده. وتعرض الباحث إلى دراسة الخصائص التاليفية في مختلف المذاهب المسرحية (الكلاسيكية  الجديدة, الرومانسية, التعبيرية, الواقعية, والرمزية) مشيرا إلى أهم كتابها وما ميزهم من خصائص, وفي أخر هذا المبحث يتناول الباحث دراسة المسرح الملحمي, موضحا الخصائص التأليفية ميزة نصوص الكاتب المسرحي ( برخت) .

وفي الفصل الثاني قدم الكاتب دراسة موجزة عن الخصائص التأليفية في المسرح العراقي , ضمن الفترات التاريخية التي مرّ  بها المسرح العراقي , لأجل الوقوف على تلك الخصائص, مبينا أهم ما ميز بعض الكتاب العراقيين ضمن تلك الفترات .

وفي الفصل الثالث قدم لنا دراسة تطبيقية عن الخصائص التأليفية في المسرح العراقي عن خمسة مسرحيات للكاتب (محي الدين زنكنه) . وكل ما في هذا الكتاب هي محاولة جادة من قبل الكاتب للوصول الى مبتغاه في دراسة نتاج درامي عراقي ليسهم في توفير معلومات عن نتاج أحد كّتاب المسرح العراقيين البارزين على المستويين المحلي والعربي.

  •  الأستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي/ كاتب من العراق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*