وفاء لذكرى الفنان المسرحي الراحل محمد الدحروش  الذي فقدته الساحة الفنية

      وفاء لذكرى الفنان المسرحي الراحل محمد الدحروش  الذي فقدته الساحة الفنية

 نعيد نشر هذا المقال الصادر بجريد الشمال عدد 642 بتاريخ من 21 الى 27 غشت 2012. ضمن زاوية أعلام الشمال

الفنان المسرحي محمد الدحروش

يمثل الفن المسرحي في حياتنا المسرحية أداة من أدوات الإصلاح، وهو هدف من الأهداف الكثيرة التي يحققها العمل المسرحي، وكانت الحركة الوطنية أيام كفاح رجالاتها، قد اتخذت من المسرح ركيزة أساسية لبث الوعي السياسي والتاريخي والاجتماعي بين المواطنين، ونبغ من بين المثقفين المغاربة من اهتم بالمسرح بصفته منهجا للتربية على روح المواطنة الحقيقية وسبيلا إلى تأكيد الشخصية المغربية الصميمة، فدونوا مسرحيات تهتم بالبطولات التاريخية لتقوية العزائم وشحذ الهمم. كما دونوا مسرحيات أخرى لبلورة قضايا المجتمع بآماله وآماله، وهكذا وجدنا في شمال المغرب روادا لكتابة المسرحية على اختلاف منهجها. فقد كتب فيه الأستاذ الكبير عبد الخالق الطريس، وكتب فيه الأستاذ محمد العربي الشاوش، والأستاذ أحمد بوكماخ، والأستاذ عبد القادر السميحي وآخرون.
وفي هذه الحلقة نتحدث عن مسرحي من الشمال كان له حضور دائم في العملية المسرحية كتابة وإخراجا وأداء، إنه الأستاذ المربي محمد الدحروش، الذي يعتبر من الجيل السائر على نهج الرواد الأوائل في شمال المغرب.
والأستاذ الدحروش من مواليد مدينة تطوان عام 1929، وبها تلقى تعليمه الإبتدائي والثانوي، ونال إجازة كلية الآداب بفاس، وإجازة في الفلسفة من جامعة مدريد بإسبانيا، ويرجع الفضل في تكوينه المسرحي إلى الأستاذ محمد العربي الشاوش، وكان محمد الدحروش لا يزال طفلا حين التحق بالمدرسة الأهلية الحسنية الحرة، وبها تلقى تكوينه ضمن اللجنة الثقافية التي كان الأستاذ الشاوش يؤطرها، وكم لهذه المدارس الحرة الوطنية آنذاك من أياد بيضاء على تربية النشئ دينيا وخلقيا واجتماعيا وعلميا كذلك، فبث الأستاذ الشاوش في تلامذته تلك البذرة التي أتت أكلها بعد حين.
وكان الأستاذ الدحروش ينتمي إلى الجيل الثاني الذي خلف جيل المؤسسين للمسرح بالشمال، ذكرنا منهم الأساتذة الطريس والشاوش وبوكماخ والسميحي ونزيد آسمين آخرين من جيل الرواد في الشمال، وهما: الأستاذ عبد الله العمراني الذي عرب عددا من المسرحيات الانجليزية والإسبانية، والأستاذ أحمد مدينة خريج المعهد العالي لفن التمثيل العربي بالقاهرة، ونضيف لهما رائدا من جيل الشباب، الأستاذ رضوان احدادو.
وقد عشق الأستاذ محمد الدحروش فن المسرح، وهو دون الرابعة عشرة من عمره، ولما شب مارس المسرح تأليفا وتمثيلا، فأطر عددا من فرق الهواة، وكتب مسرحيات بالفصحى والعامية وبالإسبانية أيضا، كتب للصغار والكبار للخشبة والإذاعة والتلفزة، للهواة والمحترفين، كما يقول الأستاذ رضوان احدادو الأديب الباحث في شؤون المسرح بالشمال، وقد استفدت كثيرا مما كتتبه عن الدحروش. وقال عنه في مقدمة كتابه بعنوان: «محمد الدحروش مسيرة مسرحية متوهجة».. «يسير لا تفارق محياه بابتسامة بها يعلن عن وجوده أنا مبتسهم إذن أنا موجود، وبها يتحدى المعوقات ويوسع بها فضاء علاقاته الإنسانية مع الآخرين كل الآخرين» وقال عنه الفنان أحمد الطيب العلج في يوم تكريمه بتطوان: «ماذاعساني أقول عن هذا الرجل الرائع المخلص كمبدع وكإنسان… إنه إنسان متخلق على جانب كبير من النبل والوعي وهو مبدع متمكن بلا أنانية ولا ادعاء ومساند وخدوم بدرجة لا يمكن أن تضاهى».
الفنان المسرحي محمد الدحروش كان في حياته العملية ينتمي إلى حقل التربية والتعليم، فمنذ عام 1950 وحتى عام 1989 تقلب في عدد من المهام التربوية، وشارك منذ سنة 1943 في تنشيط الحركة المسرحية بالشمال وتطوان على الخصوص، فأسس فرقة الواحة للتمثيل، وكان عضوا في فرقة المسرح الأدبي وعضوا في اتحاد كتاب المغرب وعضوا في المجلس الوطني للنقابة الوطنية لمحترفي المسرح بالمغرب، وكان رئيسا للجامعة الشعبية بإقليم تطوان، وشارك بالكتابة في الصحافة الصادرة بالعربية والإسبانية، وألف ثلاثين مسرحية طويلة، وعشر مسرحيات لأطفال المدارس، واثنتي عشرة مسرحية للإذاعة، ومسرحيتين بالإسبانية، ونقل ست مسرحيات من الإسبانية إلى العربية، واشتغل مذيعا وممثلا ومخرجا بإذاعة راديو درسة بتطوان. وبلغت هذه الإذاعة أوجها وتألقها عبر سنوات بثها من عام 1936 إلى 1956، وكان للأستاذ الدحروش أثر فاعل في نجاح تلك الإذاعة.
والأستاذ الدحروش لم يبن مجده المسرحي من فراغ بل عانى ووضعت في طريقه الأشواك بدل الزهور، ولم تلق أعماله في بعض الحالات ما ينبغي من التشجيع. وعبر عن هذا الأستاذ رضوان احدادو بقوله: «… ومحمد الدحروش اسم من تلك الأسماء التي لم تحظ بما يجب من العناية قراءة ودراسة، فلم يشفع له عند الباحثين والدارسين نصف قرن، وأكثر من الحضور المسرحي المتواصل الذي فضل فيه أن يبقى هاويا عاشقا على أن يكون متاجرا ومزايدا».
إنها مسيرة ناجحة ووضاءة وما أصدق ما وسمه به الشعراء في مناسبة تكريمه يوم 18 ماي عام 2002. يقول الشاعر الكبير محمد البوعناني من قصيدة:
لأن ابن تطوان يطفو يقينا علينا ونحن نغازل حلمه
ونرسم في كل عين سناه وفوق الصدور نعلق رسمه
وتكريمه صار تكريمنا وكل المسارح تختزل اسمه
ويقول الصديق المرحوم الزجال حسني الوزاني من قصيدة في يوم تكريمه:
وهذا مشموم الورد الحر من خاك حسني بالحب مرشوش
وفيه النسري والخيلي والحبق وحتى العطرشة والمردادوش
عصرتولك من الدواخل قبلوا مني وما ترفضوش
إنها أبيات من حديقة حسني الزاهرة المزهوة الصادرة من ود وتقدير متبادلين بينهما.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*